ابن عطاء الله السكندري

50

اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية

الفائدة التاسعة : صيانة نفسه ودينه من التعرض للشرور والخصومات التي توجبها الخلطة ، فإن النفس تسارع في الخوض في مثل ذلك إذا اجتمعت بأرباب الدنيا وزاحمتهم فيها ، والعزلة تحميه من ذلك . الفائدة العاشرة : التمكن من عبادة التفكر والاعتبار ، نقل عن سيدنا عيسى عليه السلام قوله : « طوبى لمن كان كلامه ذكرا ، وصمته تفكرا ونظره عبرة » ونقل عن الحسن قوله : « الفكرة تريك حسنك من سيئك ويطلع بها على عظمة اللّه تعالى وجلاله إذا تفكر في آياته ومصنوعاته » . قال الشيخ ابن عباد النفري : « هذه ثمرات عزلة أهل البداية ، وأما أهل النهاية فعزلتهم مصحوبة معهم ولو كانوا وسط الخلق ، لأنهم حاضرون مع اللّه تعالى على الدوام استوت عندهم الخلوة والخلطة . ولما للخلوة من أهمية في حياة المريد السالك إلى اللّه تعالى انطلاقا من تحققه في مقامات الدين الكامل الإسلام والإيمان والإحسان وإتماما للفائدة نذكر ملخصا عن كل ما يتعلق بالخلوة من فوائد وأسرار عند الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي كما ذكرها في كتابه ( الفتوحات المكية ) حيث يقول : « اعلم وفقنا اللّه وإياكم أن الخلوة أصلها في الشرع : « من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه » فهذا حديث إلهيّ صحيح يتضمن الخلوة والجلوة ، وأصل الخلوة من الخلاء الذي وجد فيه العالم : [ الرجز ] فمن خلا ولم يجد فما خلا * فهي طريق حكمها حكم البلا وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « كان اللّه ولا شيء معه » . وسئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه ؟ قال : « كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء » ثم خلق الخلق وقضى القضية وفرغ من أشياء وهو كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [ الرحمن : 29 ] وسيفرغ من أشياء ثم يعمر المنازل بأهلها إلى الأبد . الخلوة أعلى المقامات وهو المنزل الذي يعمره الإنسان ويملؤه بذاته فلا يسعه معه فيه غيره ، فتلك الخلوة ونسبتها إليه ، ونسبته إليها نسبة الحق إلى قلب العبد الذي وسعه ولا يدخله ، وفيه غير بوجه من الوجوه الكونية فيكون خاليا من الأكوان كلها فيظهر فيه بذاته ، ونسبة القلب إلى الحق أن يكون على صورته فلا يسع فيه سواه ، وأصل الخلوة في العالم الخلاء الذي ملأه العالم ، فأوّل شيء ملأه الهباء وهو جوهر مظلم ملأ الخلاء بذاته ثم تجلّى له الحق باسمه النور فانصبغ به ذلك الجوهر وزال عنه حكم الظلمة وهو العدم فاتصف بالوجود فظهر لنفسه بذلك النور المنصبغ به وكان